حفلت الأيام والاسابيع القليلة الماضية ببعض من المغازلات السعودية لطهران،
فلماذا الان؟ وماذا كان الرد الإيراني عليها؟ وهل تنتقص تلك المغازلات من
السعودية؟ وماذا عليها ان تفعل إزاء ذلك؟
بدأت الرياض مؤخرا تنتهج بعض سياسات المهادنة تجاه إيران، والتي تبدو ان
الأخيرة هي الكاسب الأكبر منها، وذلك من خلال:
·
قبول السعودية في ديسمبر 2016 لاتفاق دول
منظمة الأوبك والذي يقضى بخفض سقف الإنتاج اليومي لدول المنظمة بـ 1.2 مليون برميل
يوميا لمعالجة الانخفاض المزرى لأسعار النفط في الأسواق العالمية. وينتج عن ذلك
الاتفاق موافقة الرياض على خفض انتاجه اليومي بما يقارب النصف مليون برميل، وذلك
دون اجراء مقابل من طهران؛ فإيران لن تخفض انتاجها بل على العكس سيزداد حتى يصل
لمستوى الـ 405 مليون برميل يوميا كما كان فبل فرض العقوبات على إيران بسبب
مشروعها النووي. ويرى محللون ان ذلك كان بمثابة انتصار لطهران التي قاومت ضغوط
السعودية لتجميد انتاجها كشرط لتجميد مقابل من قبل الرياض حتى تستعيد أسعار النفط
قوتها مرة أخرى.
·
اعلان وزير الحج السعودي
بترحيب بلاده بالحجاج الإيرانيين والمعتمرين والزوار دون النظر لانتماءاتهم
المذهبية، وأشار الوزير ان وزارته بدأت في عقد لقاءات مع رؤساء وفود الحج لـ 80
دولة بينهم الوفد الإيراني. ويأتي ذلك بعد ان فرضت المملكة عدد من الشروط على الوفد
الإيراني من بينها منع الحجاج الإيرانيين من أداء مناسك البراءة من الكفار، وهو
الامر الذي رفضته طهران وتمسك به الرياض ما أدى الى مقاطعة الإيرانيين لموسم الحج
الماضي.
·
اعلان وزير الخارجية الكويتي خالد الجار الله
ان مجلس التعاون الخليجي كلف بلاده بحمل رسالة الى القيادة الإيرانية تبين وجهة
نظرها حول قضية الخلاف بين الطرفين الخليجي والإيراني علاوة على اجراء اتصالات مع
طهران فيما يتعلق بكيفية الحوار معها لتحديد موعد مناسب للجانبين. صحيح ان الدعوة
أتت من مجلس التعاون بدوله الست، الا انه وكما معروف لا يمكن للمجلس ان يخطو مثل
تلك الخطوة دون موافقة الجانب السعودي، وهو الامر الذي قد يقودنا الى ان السلطات
السعودية قد تعيد النظر في سياستها واستراتيجيتها حول عدد من ملفات المنطقة التي
تخاصمها وتنافسها إيران فيها مثل الملف السوري والعراقي واليمنى وحتى اللبناني.
وما هي الا أيام على تقديم غصن الزيتون السعودي لطهران، حتى جاءت تصريحات
المسئولين الإيرانيين بنبرة عتب ونقد غير عنيف للمنافس السعودي؛ فجاءت تصريحات
الرئيس حسن روحاني مؤكدة عدم رغبة بلاده الغاء السعودية من المشهد السياسي في
المنطقة وأوضح روحاني رغبته في إقامة علاقات جيدة مع مجلس التعاون الخليجي وهو
الامر الذى ذكره أيضا الأمين الأعلى للأمن القومي على شمخانى بان بلاده حريصة على
منع اسقاط النظام السعودي، فيما أشار وزير الخارجية محمد جواد ظريف انه لا مبرر
لان تكون العلاقات بين ايران والسعودية عدائية مبديا إمكانية التعاون بين البلدين
في مختلف الملفات وخاصة في سوريا واليمن
والبحرين.
يتضح من ذلك ان إيران ومن خلال تصريحات مسئوليها لا تمانع من إعادة النظر
في العلاقات بينها وبين الرياض، ولعل المبادرة الخليجية لفتح قناة حوار بينها وبين
إيران من الخطوات الجيدة في ذلك الوقت للطرفين.
فالإدارة الامريكية القادمة، وكما يتضح من تصريحات اعلى مسئوليها (الرئيس
ترامب) الذي لا يكن الكثير من الود لا للسعودية، التي يرغب في جعلها وباقي دول
الخليج تدفع ثمن حماية واشنطن لها فضلا عن دعمه لقانون جاستا الذي ربما يؤدى
لخسارة السعودية الكثير من استثماراتها وودائعها في الولايات المتحدة إذا تم
تنفيذه. كما انه (ترامب) اظهر منذ البداية عزمه على الغاء الاتفاق النووي مع إيران،
او على قل تقدير تعديله وهو الامر الذي رفضته الحكومة الإيرانية بشدة وهددت انه في
حدوث مثل ذلك فأنها ستلجأ الى معاودة تخصيب اليورانيوم.
لا يبدو ان الإدارة الامريكية القادمة ستلجأ الى الحفاظ على حلفائها
التقليدين في المنطقة خاصة في دول الخليج وبالأخص الحليف السعودي لأنها ( الإدارة الجديدة)
ترفض مبدا الركوب المجاني _ رغم ان تلك الحماية لم تكن مجانية على الاطلاق وانما
كان ثمنها باهظا تمثل في بعض الأحيان في سقوط وانهيار بلدان عربية عريقة_ كما ان
تلك الإدارة في حال نفذت تهديدها بإلغاء الاتفاق النووي تكون وضعت المنطقة على
حافة سباقات تسلح وحروب ومزيد من الفوضى والدمار، ولعل ذلك الامر هو الذى دفع الأمير
السعودى تركى الفيصل الى نصح ترامب بعدم الغاء الاتفاق النووي رغم ان بلاده كانت
من اشد معارضي ذلك الاتفاق.
ولتفادي تلك الخسارة المقبلة وللعمل على تقليل الخسائر الحالية، على كلا من
الرياض وطهران العمل على إعادة النظر في علاقاتهما بفتح قنوات للحوار في كل
الملفات العالقة بينهما وبما يحقق مصالح الطرفين، ولعلنا في هذا الشأن نعيد
التذكير بمدى التدهور الذي وصلت اليه العلاقات الإيرانية الامريكية، الا انه ورغم
كل ذلك عملت واشنطن على فتح قنوات للحوار وشجعت التفاوض مع خصمها الإيراني مما أدى
الى التوصل لحل وسط تمثل في الاتفاق النووي، وعلى الرياض الاستفادة من ذلك، والعمل
على ابراز ملامح تصالحية مع طهران، واغراء طهران ان مكاسب التعاون اكبر من خسائر
التخاصم والتنافس معها.
لا شك ان السعودية ستخسر من عملية التصالح مع إيران، لان على ما يبدو ان الأخيرة
استطاعت ان تفوز في سوريا وخاصة بعد استعادة النظام السوري لحلب بدعم منها ومن الروس
دون أي تدخل من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، كما امدت طهران ولا تزال حلفائها في
اليمن مما يمكنهم من الصمود إمام ضربات
التحالف العربي بل وقدرتهم على انشاء حكومة أخرى غير الحكومة الشرعية المتواجدة في
الرياض، علاوة على تفوق اليد الإيرانية في ملفاي العراق ولبنان.
لكن ورغم ذلك فنصف الخسارة أفضل من الخسارة كلها وان تأتى متأخرا خيرا من
الا تأتى، والحسم العسكري لن يؤدى الى انهاء الازمات والحروب وانما الى مزيد من
التكاليف البشرية والمادية الباهظة، ولا ينبغي للرياض ان يعول مرة أخرى على الحليف
الأمريكي الذي خذله في سوريا برفض تدخله العسكري على غرار ما رغب الرياض واليمن
بتقليص دعمه اللوجيستي والاستخباراتي بعدما قلل عدد مستشاريه العسكريين الذين
كانوا يساعدون السعوديين في عمليات اليمن، وان تقوم بإدارة شئونها بنفسها
والانفتاح والاستفادة من مختلف القوى الصاعدة بما يحقق مصالحها وشعبها وامتها
ويضعهم في المقام الأول.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق